المرزباني الخراساني
70
الموشح
بسوق عكاظ من أدم ، فتأتيه الشعراء ، فتعرض عليه أشعارها ؛ فأتاه الأعشى ، فكان أول من أنشده . ثم أنشده حسان بن ثابت قصيدته التي منها : لنا الجفنات الغرّ . . . وذكر البيتين ، فقال النابغة : أنت شاعر ، ولكنك أقللت جفانك وأسيافك ، وفخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك . قال الصولي : فانظر إلى هذا النقد الجليل الذي يدلّ عليه نقاء كلام النابغة ، وديباجة شعره ؛ قال له : أقللت أسيافك ؛ لأنه قال : « وأسيافنا » وأسياف جمع لأدنى العدد ، والكثير سيوف . والجفنات لأدنى العدد ، والكثير جفان . وقال : فخرت بمن ولدت ؛ لأنه قال : ولدنا بنى العنقاء وابني محرّق . فترك الفخر بآبائه وفخر بمن ولد نساؤه . قال : ويروى أنّ النابغة قال له : أقللت أسيافك ولمّعت جفانك . يريد قوله : لنا الجفنات الغرّ . والغرّة لمعة بياض في الجفنة ؛ فكأن النابغة عاب هذه الجفان ، وذهب إلى أنه لو قال : لنا الجفنات البيض ؛ فجعلها بيضا كان أحسن . فلعمري إنه أحسن في الجفان إلا أنّ الغرّ أجلّ لفظا من البيض . قال الشيخ أبو عبيد اللّه المرزباني رحمه اللّه : وقال قوم ممن أنكر هذا البيت في قوله : يلمعن بالضّحى ، ولم يقل بالدّجى ، وفي قوله : وأسيافنا يقطرن ، ولم يقل يجرين ؛ لأن الجرى أكثر من القطر . وقد ردّ هذا القول ؛ واحتجّ فيه قوم لحسّان بما لا وجه لذكره في هذا الموضع . فأما قوله : فخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك فلا عذر عندي لحسّان فيه على مذهب نقّاد الشعر . وقد احترس من مثل هذا الزّلل رجل من كلب ؛ فقال يذكر ولادتهم لمصعب بن الزبير وغيره ممن ولده نساؤهم : وعبد العزيز قد ولدنا ومصعبا * وكلب أب للصالحين ولود